الجمعة، 17 مايو، 2013

الجنرال إدريس بنعمر العلمي أسد حرب الرمال الذي أسر الرئيس المصري المخلوع

إدريس ولد القابلة 
الجنرال إدريس بنعمر العلمي
أسد حرب الرمال الذي أسر الرئيس المصري المخلوع


الجنرال إدريس بنعمر العلمي ضابط مغربي ، لمع نجمه في حرب الرمال و لقب بطلها لم يكن يجد نفسه في غير ساحة الوغى ولم يكن يرغب في مناداته بغير "الجنرال". لقد ظل رجل ميدان بامتياز.
إنه أحد أبرز الوجوه العسكرية المغربية، روض الجارة الشرقية واعتقل رئيس مصر المخلوع عندما كان ضابطا.
ظل الجنرال إدريس بنعمر العلمي ضابطا محترما من لدن الجميع، لكونه كان يجسد كل القيم النبيلة في مهنة الجندية، وعلى رأسها الوفاء المطلق للوطن والاستعداد للموت من أجله، وهو من الذين شاركوا ببسالة في الحرب العالمية الثانية بجانب العديد من المغاربة الذين شاركوا بقوة مع الفرنسيين لإنقاذ بلادهم من الاحتلال النازي و من أجل سيادة الحرية.
احتل الجنرال إدريس بنعمر العلمي موقع الريادة في الرعيل الأول من النخبة العسكرية للمغرب المستقل. إنه أحد عناصر الجيل الأول من هذه النخبة التي ضمّت الجنرالات: حمو الكتاني وعبد الحفيط العلوي ومحمد بنعيسى وغيرهم. وهو الجيل الذي ساهم بشكل كبير في تأسيس العمود الفقري للجيش المغربي.

المشوار المدني والعسكري
تلقى دراستيه الابتدائية والثانوية في مدينة مكناس قبل أن يلتحق عام 1935 بالأكاديمية العسكرية مكناس ، وتخرج منها برتبة ملازم أول في سنة 1939.
تدرج الجنرال إدريس بنعمر العلمي عبر مسؤوليات ومناصب سامية همت مجالات واسعة في القيادة العسكرية والمجالات المدنية.
وفي سنة 1956 عين حاكما مدنيا وعسكريا لإقليم مكناس لمدة سنتين.
وفي سنة 1959 رقي إلى رتبة "ليوتنان كولونيل" ثم عقيد "كولونيل" وأسند إليه الملك الراحل محمد الخامس قيادة الدرك الملكي في نوفمبر من سنة 1960 . عندما اضطلع بهذه المسؤولية وضع اللبنات الأولى لهذا القطاع الحيوي، الذي ستزداد أهميته الإستراتيجية بعد المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين ضد النظام عامي 1971 و1972. 
وفي يونيو 1961 عينه الملك الراحل الحسن الثاني عاملا على الدار البيضاء 
ترقي إلى رتبة جنرال في سبتمبر سنة 1963، وعين في نفس السنة مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية.
وفي فجر السبعينات عام عينه الملك الراحل الحسن الثاني وزيرا للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، ثم مديرا عاما للخطوط الجوية الملكية المغربية. وكان هذا التعيين لافتا للنظر في عين المتتبعين. فوقوع الاختيار على الجنرال إدريس بنعمر العلمي لتولي هذا المنصب في عام 1970 جاء في سياق تعديلات وزارية شملت الكثير من القطاعات بوتيرة سريعة منذ صيف. ويرى المحللون أن تعيين الجنرال إدريس بنعمر في المنصب (وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية) الذي كان قد شغله الجنرال محمد المذبوح في عام 1958 المراد منه إبقاء على ذلك القطاع الاستراتيجي والحيوي تحت نفوذ صارم وفي أيد أمينة، سيما بالنظر إلى الأسبقية التي كان يحظى بها وقتذاك. بعد اكتشاف تورط المذبوح في انقلاب الصخيرات لم تشمل التغييرات الوزارية اللاحقة – وما أكثرها - هذا القطاع الحيوي الذي استمر تحت إمرة الجنرال إدريس بنعمر.
وكان اختيار الجنرال إدريس بنعمر العلمي للاستمرار في وزارة البريد، على عهد الوزيرين الأولين محمد كريم العمراني وأحمد عصمان لاحقا ذا مغزى سياسي في نظر المتتبعين للشأن السياسي بالمغرب. فالرجل عرف بوفائه للعرش وبصرامته العسكرية التي لم تكن تلين. في البداية، كانت المهمة تقتضي إعادة هيكلة وتنظيم قطاع البريد المرتبط بمجال الاتصالات، بهدف إقامة المزيد من الشبكات التي تكفل ضمان الاتصال مع المسؤولين في أي وقت وحين وتحت أي ظرفية. سيما وأن الاختلال الفظيع الحاصل في مجال الاتصال ألقى بظلاله بعد الانقلاب الأول، وبات يطرح المزيد من الأسئلة، إذ كيف يمكن لقوافل عسكرية أن تتحرك من ثكنة أهرمومو شمال مدينة فاس، وتقطع مئات الكيلومترات، دون أن يتم الإخبار بذلك. ولعل أبرز الخلاصات تمثلت في توسيع صلاحيات العمال، خاصة أن عامل مدينة طنجة، الضابط حسني بن سليمان، كان وراء مبادرة الإعلان عن بقاء الملك الحسن الثاني على قيد الحياة، حيث أمر إذاعة طنجة ببث ذلك الخبر والأناشيد الوطنية، في انتظار فرض السيطرة على المتمردين. ويبدو أن تعيين الجنرال إدريس بنعمر العلمي على رأس قطاع البريد كان جزءا من إجراءات احترازية همت السيطرة على قطاع المواصلات السلكية واللاسلكية، غير أنه بالرغم من وجود جنرالين في حكومة واحدة، إدريس بنعمر في البريد، ومحمد أوفقير في الدفاع، فإن هذا الأخير استطاع أن ينفذ الشطر الثاني من مخططه، الذي كان قد بدأ في التفكير به مباشرة بعد اندحار آخر فلول المتورطين في حادث الصخيرات.
وبالرغم من أن تعيين الجنرال في منصب وزارة البريد لم تكن له أي علاقة مباشرة بتدبير قطاعات اقتصادية واجتماعية، فإن اختياره كان مؤشرا لدخول البلاد مرحلة جديدة بعد محاكمة وزراء ومدراء وشخصيات في القطاعين العمومي والخاص بتهم تطال استغلال النفوذ وتلقي الرشاوى والفساد، عبر إبرام صفقات مشبوهة ( الملف الذي كشف خباياه الجنرال المدبوح قبل انقلاب الصخيرات). سيكون لتعيين الجنرال إدريس بنعمر على رأس إدارة شركة الخطوط الملكية المغربية دلالات سياسية بعد تفجير الفضيحة المرتبطة بما عُرف بصفقة "البانام" الأمريكية.
كما سبق للجنرال إدريس بعمر العلمي أن قاد التجريدة المغربية التي أرسلها الملك الراحل الحسن الثاني إلى الكونغو (زايير حاليا). 
ويُحكى أن حميدو العنيكري كان "بلانطو" في مكتب الجنرال، في حين شغل عبد العزيز بناني منصب مدير ديوانه. 
تقاعد عن العمل العسكري و من الجيش سنة 1991، عن عمر يناهز 74 سنة. وظل يصارع المرض لمدة سنوات، قبل أن توافيه المنية في أبريل 2008 بمدينة الدار البيضاء، ووري جثمانه في مقبرة الشهداء في الرباط.

شارك في الحرب العالمية الثانية

شارك الجنرال إدريس بنعمر العلمي في الحرب الهندية الصينية، بعد أن برز كضابط شاب في معركة "مونتي كاسينو" لتحرير إيطاليا ثم فرنسا من براثين الفاشية والنازية.
وكانت أول معركة شارك فيها الجنرال، دارت أطوارها في شهر دجنبر 1943 بالمنطقة الجبلية "لابروز" الإيطالية، كان وقتئذ ملازم "ليوتنان"، حديث التجنيد رفقة شقيقه الأصغر حسن، الذي لقي حتفه محاربا، وروت دماؤه التراب الإيطالي دفاعا عن الحرية ومستقبل الإنسانية. قاد فرقته بنجاح وأبدا شجاعة أبهرت رؤساءه.
ضمن 13 ألف جندي تحت الراية الفرنسية حلوا بمنطقة "لابروز" كان هناك 7 آلاف مغربي ومنهم "الليوتنان" (آنذاك) إدريس بعمر الذي قال : " كانت الأوضاع قاسية جدا بحكم صعوبة التضاريس وبرودة الطقس، إذ كنّا تحت رحمة الثلوج، علما أن المغاربة لم يكونوا معتادون على القتال في هكذا أجواء قاسية، لكنهم سيتكيفون بسرعة... وأول مرّة شاركت فيها في معركة فعلية كان عمري بالكاد 21 سنة، وكانت المعارك الأولى في الحرب العالمية الثانية حامية الوطيس وقاسية، وكانت الخسائر باهظة في الأرواح بفعل الصمود المستميت للألمان ورداءة الطقس حيث تجمدت أقدام الجنود في منطقة "لامينارد" و"لاكوسطا سان بيترو"... في هذه المناطق الجبلية الوعرة المفتقرة للطرق والمسالك لعبت البغال المغربية دورا جوهريا في حمل ونقل الأسلحة والذخيرة والعتاد والمرونة... تسلل الجنود المغاربة إلى قمة التل على مسافة قريبة جدا من مواقع الألمان المتأهبين لكنها دُكّت دكا يوم 11 ماي 1944 ... دار رحى معركة "فايطو" ليلا، وفجر 12 ماي 1944 بلغت الكتيبة المغربية التي كنت ضمنها هدفها وبدأت مطاردة الألمان الذين شرعوا في التراجع...".

يوم ارتدى من جديد بذلة الميدان

على حين غرّة نودي على الجنرال إدريس بنعمر العلمي لخوض غمار حرب الرمال. هذا بعدما كان قد نزع عنه البذلة العسكرية وشرع في ممارسة مهمته كعامل على مدينة الدار البيضاء. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني قد فضّل إسناد مسؤوليات مدنية إلى شخصيات عسكرية كما حدث وقتذاك مع العقيد حسني بن سليمان الذي عيّنه عاملا في طنجة ثم القنيطرة وآخرون في مناطق أخرى في بداية سبعينيات القرن الماضي. وحسب المحللين اندرج هذا التفضيل ضمن منظور يروم تثبيت الأوضاع الأمنية منذ أن ولجت البلاد ما سيُسمى بسنوات الجمر والرصاص. وتأكد هذا المنحى بشكل آخر بعد تورط الجنرال محمد أوفقير مباشرة في حادث محاولة إسقاط الطائرة الملكية في غشت 1972، من وقتها، سيغلق باب إدارة الدفاع أمام العسكريين، بما في ذلك الرجال الذين خاضوا أعنف معارك الدفاع عن الشرف أو الذين أبلوا البلاء الحسن خارج الوطن والأعمال البطولية في المعارك الحربية ومنازلات حفظ السلام ، كما حصل في مواجهات «شابا» الأولى والثانية لتثبيت وحدة زايير قبل تغيير اسمها، والتجريدة المغربية لتي حاربت إلى جانب السوريين في هضبة الجولان. إذ تم تعيين قائدها، الجنرال أحمد الصفريوي، لتولي منصب سفير المغرب في بروكسيل.

أسد حرب الرمال 

قبل الجنرال إدريس بنعمر العلمي على مضض الامتثال لأمر الملك القاضي بتراجع الجيش المغربي إلى مواقعه بعد توغل كبير في الأراضي الجزائرية خلال حرب الرمال 1963، والتي استغرقت ثلاثة أيام، وأرغم القوات الجزائرية، التي شنت هجومات مباغثة على مركزي "حسي بيضا" و"تينجوب"، ثم على مركز "إيش" في شرق فكيك على التقهقر، حتى أصبح جنود الجنرال إدريس بنعمر على بعد 26 كيلومترا من مدينة تيندوف فقط. 
لم يستسغ الجنرال الأمر الملكي بالعودة؛ وفي لقائه مع الملك الراحل الحسن الثاني خلع بزته العسكرية، التي كانت مثقلة بالنياشين المختلفة الشاهدة على بطولاته، ليلقيها أمام الملك، القائد الأعلى للقوات المسلحة، قائلا: "مولاي لا يُقبل في المنطق الحربي والتقاليد العسكرية أن يعود جيش منتصر إلى نقطة انطلاقه الأولى كأنه جيش منهزم". آنذاك كانت تدخلات عربية، كثيفة ومتكررة، نجحت في إقناع الملك الراحل بالتراجع حتى لا تصل العلاقة بين البلدين إلى الباب المسدود. ومنذ ذلك التاريخ، لُقب الجنرال إدريس بنعمر العلمي بـ "بطل حرب لرمال" عند البعض و "أسد حرب الرمال" لدى البعض الآخر. ويشهد التاريخ أنه العكسري الوحيد الذي تجرأ على الاحتجاج وتقديم استقالته بتلك الطريقة التي تنم عن الروح الوطنية العالية. 
كان الجنرال إدريس بعمر العلمي قد طلب من الملك الراحل الحسن الثاني أن يأذن لقواته بالدخول إلى مدينة تندوف لإعطاء درس للجزائر، لكن جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طلب منه التوقف والتراجع. وقد تم تبليغ هذا القرار للضباط والجنود في الساعة الخامسة صباحا، حيث لم تكن تفصلهم عن مدينة تيندوف سوى 26 كيلومترا، في الوقت الذي جاءهم بعض سكان تيندوف مهللين وفرحين بقدوم القوات المغربية من أجل ضم المدينة إلى التراب المغربي.
في هذا الصدد يقول الرقيب عمر مراد، الذي شارك في حرب الرمال (1963) وفي معركة أمغالا في الصحراء ( 1976) ، إن حرب الرمال نشبت بسبب العدوان الجزائري الغادر والمفاجئ دون سابق إنذار على سرية للقوات المساعدة، والتي كان برفقتها حيسوب عسكري فرنسي مكلف بأداء الرواتب للجنود، و ذلك بمنطقة "بونو" التي تبعد بحوالي 45 كيلومترا شرق مدينة امحاميد الغزلان التي تبعد بدورها عن الحدود المغربية الجزائرية بعشرين كيلومترا. إذ قام فيلق من المشاة الجزائريين مدعومين بالمدفعية الثقيلة بإعدام أفراد السرية المغربية بعد تكبيلهم بالأسلاك الشائكة، وإضرام النار في جثثهم بعد ذلك. ولم تكتف الجزائر بذلك، بل أرسلت قوات أخرى للهجوم على منطقة "حاسي بيضا والتينجوب " على بعد 60 كيلومترا عن امحاميد الغزلان، موازاة مع ذلك قامت قوة أخرى بالهجوم على مدينة فكيك.
ويضيف الرقيب عمر مراد، أن أجواء الحرب كانت حامية الوطيس؛ حيث كان الجيش الجزائري يتوفر على أسلحة روسية ودعم مصري وكوري وسوري ، فضلا عن الدعم اللوجيستيكي والمعرفي الذي حظي به الجيش الجزائري من قبل المستشارين والخبراء العسكريين المصريين بحكم تحالف الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الجزائر، في حين كان تسليح القوات المغربية خفيفا وبجانب بعض المدرعات الموروثة عن الاستعمار الفرنسي. لكن نقطة قوة الجيش الملكي تكمن في خبرته التي راكمها جنوده الذين شاركوا في حرب الهند الصينية والحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الدور الذي لعبته العناصر الصحراوية المنخرطة لتوها في القوات المسلحة الملكية، لاسيما مجموعة الملازم "حبوها لحبيب" المكونه من 700 جندي من أبناء قبيلته (الركيبات)، والفارين لتوهم من بطش السلطات الجزائرية ضد أبناء قبيلة الركيبات الذين قاموا برفع أعلام المملكة المغربية بمدينة تيندوف، وأيضا مجموعة الملازم "أبا علي أبا الشيخ" المكونة من 200 فرد، ومجموعة الملازم "البطل البلال" والد القيادي في جبهة "بوليساريو" سيد أحمد البطل وقوامها 200 فرد كذلك، و فصيلة يقودها الملازم "علي بويا ولد ميارة". ومن بين القيادات الأخرى التي ساهمت في دحر العدوان الجزائري على التراب المغربي، قائد قطاع أكادير العسكري وقتئذ الرائد" بوكرين"، وقائد الفوج الثاني عشر للمشاة النقيب "التيالي البوزيدي" . 
وبخصوص الخسائر، ذكر الرقيب عمر مراد أنها كانت أكبر في صفوف الجزائريين ، ومنها القضاء على فيلق يقوده رائد مصري من الجيش المصري لقي حتفه في المعركة، وفرقة من المظليين ضمت 600 جندي تحت إمرة رائد مصري أيضا من الجيش المصري، كما تم أسر حوالي 500 جزائري، وتمكنت فرقة الملازم علي بويل ( من أبناء الصحراء) من أسر 14 جندي جزائري يقودهم ملازم كانوا بصدد زرع الألغام.

الغضبة المستطيرة

أغلب المؤرخين أقرّوا أن المغرب دُفع إلى حرب الرمال وأن إلغاء رحلات القطار القادم من وهران في اتجاه وجدة من طرف السلطات الجزائرية، على خلفية هجمات تعرضت لها مواقع مغربية في "حاسي مسعود" كان بمثابة إعلان حرب، وجاء اختيار الجنرال إدريس بن عمر لقيادتها ضمن استراتيجية أعدت بعناية دقيقة.
لما انطلقت الحرب لم يشأ الملك الراحل الحسن الثاني نقل مقر القيادة العسكرية وقتذاك من مراكش، رغم دعوات نقلها إلى الجهة الشرقية، ووجدة تحديدا. فقد أصر الملك على عدم مغادرة مراكش التي لم يغادرها إلا وهو في طريقه إلى إرساء وبناء لبنات السلم وحسن الجوار مع الجارة الشرقية، الجزائر. 
ومن المعلوم أن الملك الراحل كان صارما في إصدار أوامر بوقف الهجمات والعمليات التي كانت قد حققت انتصارا ساحقا على الجنود الجزائريين. وما أغضب الجنرال إدريس بنعمر هو أنه كان يرغب في أن يكون انتصار جنوده شاملا، فيما كانت وتيرة الوساطات لتوقيف أوزار الحرب تحركت بسرعة على مستويات أفريقية ودولية، وبهدف التئام قمة في باماكو، عاصمة مالي. آنذاك كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر قد أوفد ضباط من كبار قادة الجيش المصري لمساعدة الجزائريين في حربهم ضد المغرب، لكن ذهل الرأي العام المحلي والعربي حين قيل أن الضباط الآتون من "أم الدنيا"، مصر، لمد يد العون، والذين عُذوا من المفقودين خلال سنتين أو ثلاثة ، في واقع الأمر أسروا من طرف جنود تحت إمرة الجنرال إدريس بنعمر وتكتم المغرب عن النازلة. 
ظلت نازلة توقيف تقدم الجنود والأمر بالرجوع إلى الديار تحزّ في نفس الجنرال إدريس بنعمر منذ توصل على حين غرة بأمر التوقف والعودة عبر جهاز الاتصال اللاسلكي. لحظتئذ امتلكه عضب مستطير وكاد يكسر الجهاز، لكنه تمالك نفسه قائلا: "أنا عسكري وعليّ الامتثال للأوامر... ووقف رجالي عن التقدم نحو تندوف". 
وبعد سنوات قال الجنرال للملك الحسن الثاني: " لماذا أصدرتم إلي ذلك الأمر الذي حال دون الوصول إلى تندوف وايتعادتها؟" وكان جواب الملك: "يم أرد أن تنتقم الجزائر من ابني وحفيدي بعد هذه الهزيمة".

ظل على موقفه

قيل الكثير بخصوص حرب الرمال وتناسلت الأقاويل بصددها، وقد حرص الملك الراحل الحسن الثاني يومها على تصحيح مسار الأقاويل الرامية إلى تفسير من كان وراء المدى الذي كانت ستصل إليه الحرب المفتوحة بين المغرب والجزائر في خريف 1963. 
لقد قيل للملك الراحل إن الجنرال محمد أوفقير هو الذي كان وراء فكرة توغل القوات المغربية في الصحراء الشرقية، لكن الحسن الثاني أوضح أن الجنرال الكتاني هو من كان وراء الفكرة لكن رد عليه بالقول: "عندما يحارب أحد، فإنما يفعل ذلك ليعيش معه في سلام على امتداد جيل عل الأقل ...." ثم أضاف "إن لم يكن متأكد من أن السلم سيتحقق طيلة ثلاثين عاما بعد الانتصار على الخصم، فإنه من الأفضل تجنب القيام بعملية عسكرية".
إلا أن أغلب الروايات عمدت إلى اعتبار غير أن ثمة روايات أن صاحب الفكرة هو الجنرال إدريس بن عمر العلمي، الذي رفض في الوهلة الأولى الامتثال لقرار وقف الحرب، إذ كان يراهن على التغلغل داخل الجزائر من ناحية وهران، أو في الصحراء الشرقية من جهة تندوف.

منطق الحسن القائد السياسي ظل يتغلب دائما على منطق الحسن القائد العسكري

سيحفظ التاريخ للملك الراحل الحسن الثاني موقفه الحكيم، إذ حين كان كبار قادته العسكريين يميلون إلى المواجهات المفتوحة مع الجزائر، كان يردد بصبر وإصرار: "انظروا إلى ما حدث في الحرب بين العراق وإيران (...) لا أريد لمنطقة الشمال الإفريقي أن تتأثر بسلبيات ما يحدث في المشرق". وبعد مرور حوالي عقدين على حرب الرمال، سيأتي من الضباط الكبار من سيطلب من الملك شن هجوم كاسح على مواقع انطلاق الهجمات العدائية عندما اندلعت حرب الصحراء. لكنه استبدل منطق المتابعة التي تتيحها المخططات العسكرية في اقتفاء أثر الخصم على أرض الجار، بمنطق حماية الحدود، كما تجلى ذلك في تجربة إقامة الجدار الأمني بالصحراء المغربية والذي يفصل بين المغرب والجزائر، عبر منطقة عازلة. وقد رأى المتتبعون أن التصرف الصادر من الملك الراحل يعني أن منطق الحسن القائد السياسي ظل يتغلب دائما على منطق الحسن القائد العسكري.
فعلا لقد أعاد الجنرال أحمد الدليمي نفس طلب الجنرال إدريس بنعمر في الذهاب بعيدا إلى نهاية الحرب بالصحراء. إذ في منظوره شكلت حرب الصحراء امتدادا لحرب الرمال، إنها كانت تدور على نفس الخطوط وبنفس الخلفية. 

حادثة تطويق الجنود المصريين وأسر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك

كان الرئيس المصري وقتئذ، جمال عبد الناصر، قد أوفد ضباطا عسكريين لمساعدة الجزائريين في حربهم ضد الجيش المغربي. لكن الجنرال إدريس بنعمر العلمي قام بأسر بعضهم بعد تطويقهم في صحراء قاحلة، وكان ضمنهم الضابط الطيار حسني مبارك، الذي سيصبح رئيس مصر بعد اغتيال الرئيس أنور السادات.
ساند الرئيس المصري جمال عبد الناصر النظام الجزائري ضد المغرب في حرب الرمال عام 1963، حيث أرسل حوالي ألف جندي مصري لدعم الجيش الجزائري ضد القوات المسلحة الملكية المغربية بالإضافة إلى عتاد حربي، وكان حسني مبارك ضمن هؤلاء. 
كُلّف حسني مبارك، كطيّارقائد سرب، بمعاينة أوضاع قاعدة العبادلة الجوية بالجزائر والمشاكل التي تعيق نشاطها. 
كانت الطائرة المروحية التي تقل المصريين الأربعة تقوم بجولة استطلاعية على الحدود المغربية- الجزائرية ، غير أنها غابت عن الأنظار بسبب عاصفة رملية في نظر البعض، وبسبب تيه ربّانها في رأي البعض الآخر، الشيء الذي جعلها تنزل بشكل اضطراري بعين الشواطر (إقليم فكيك) لتتم محاصرتها من طرف السكان .
وفي هذا السياق يُقرّ شاهد عيّان -"الحاج يوسف جباري" جندي سابق في الجيش المغربي وهو الآن متقاعد يقطن بمدينة أكادير- كان حسني مبارك من بين ألف جندي مصري أرسلهم الرئيس المصري آنذاك لمساعدة الجيش الجزائري ضد المغرب، وشاء الله أن تهبط المروحية التي كانت تقله ادطراريا ومعه عدد من الضبّاط المصريين وضابط جزائري، ليتم اعتقالهم من طرف الفرقة العسكرية التي كان الحاج يوسف على رأسها ضمن الجيش الذي قاده الجنرال إدريس بنعمر العلمي.
وضع جنود الجنرال إدريس بنعمر يدهم على حسني مبارك ورفاقه بعد في فخ الأهالي، وأعطى الجنرال أوفقير أوامره بإحضارهم على وجه السرعة إلى مدينة مراكش، ليخضعوا للاستنطاق. وقد أمر أوفقير طيارا بالاتجاه فورا إلى أرفود لإحضار الأسرى. بعد ذلك تم نقلهم إلى الرباط ، إلى دار المقري في 20 أكتوبر 1963 ، وأمضوا هناك شهرا ونيف ، ثم تم نقلهم أن قضى الضباط الستة أسابيع في دار المقري، إلى فيلا بأمر ملكي حيث تمرغوا في نعيم المأكل والمشرب. وأكد الفقيه البصري والحبيب الفرقاني المعتقلين آنذاك على خلفية أحداث مؤامرة 15 يوليوز 1963، التقاء المعتقلين الاتحاديين بالضباط المصريين وضمنهم حسني مبارك. وقد اعتبرالملك الراحل الحسن الثاني التدخل المصري سافرا في صراعه مع نظام بن بلة، لذا قام باستدعاء سفير المملكة بمصر، وقام بطرد حوالي 350 معلما مصريا. 
وتدخلت الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية ودول صديقة لتصفية الأجواء بين الجزائر و المغرب، وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار بباماكو بمالي يوم 29 أكتوبر 1963، وعادت المياه إلى مجاريها بين المغرب ومصر. 
لقد كان من المفترض أن يحاكم حسني مبارك في ستينيات القرن الماضي في محكمة عسكرية مغربية على خلفية تورّط النّظام المصري يومها في حرب الرمال بين المغرب والجزائر، لكنه انسل من القضية كالشعرة بفضل حكمة الملك الراحل ودهائه السياسي.
وقال صالح حشّاد بأنّ الطائرة حينما وقعت بـضواحي "أرفود"، أخبر القائد الذي منعها من إعادة الإقلاع، القيادة العسكرية في مراكش في شخص الجنرال أوفقير. هذا الأخير طلب من أحد اليّارين كان صديقا لحشّاد، بأن يحضر له هؤلاء الضّباط . أحد الضّباط حكى عن معاينته لأهالي المنطقة حيث حطّت الطائرة وقد أوثقوا الضباط المصريين الأربعة بحبال على جذوع النخيل، وربما أشبعوهم ضربا، كما ربطوا المروحة بالحبال خشية أن تستعيد الطّيران.
وجاء على لسان الصحفي نصطفى العلوي في "مذكرات صحافي وثلاثة ملوك": " ... وبينما كنت نائما معصوب العينين، سمعت صخبا واهتزازا كالزلزال حول دار المقري، وحركة وصياحا وكأن الأمر يتعلق بهجوم على تلك الدّار. وإذا بباب الغرفة يفتح في تلك الساعة المتأخرة من الليل، فسارعت إلى الركون إلى أحد أركان الغرفة في خوف وارتعاش، ثم سمعت أصوات أجساد ومعها أصوات سلاسل بدا أنها مربوطة بها، وتوالت أصوات تلك الأجساد التي تلقى داخل الغرفة واحدا تلو الآخر. وفي كل مرة أسمع صوت السلاسل حين تضرب الأرض رفقة تلك الأجساد. ثم أغلق الباب وتوقفت الحركة، وهدأ الوضع لفترة قصيرة، قبل أن يشرع هؤلاء الوافدين الجدد في تبادل همسات وهمهمات، وإذا بواحد منهم يتحرك زاحفا ليبحث بيديه عما يوجد في تلك الغرفة، وضع يده عليّ ثم سحبها بسرعة وعاد إلى رفاقه ليخبرهم بلهجة مصرية:" فيه حد هنا"".
وأكّد محمد لومة أن هذه الزنزانة كانت تقابل الزنزانة التي أوت زوجة شيخ العرب "مينة" و إبنيها وأبيها. كما تحدّث لومة عن ضابط مصري – ضمن الأربعة الأسرى- قد رفض الإدلاء بأيّ معلومة للمحققين بناء على معاهدة جنيف الموقّعة سنة 1948 بخصوص أسرى الحرب. لكن حسني مبارك كان قد اعترف بكلّ شيء وقدّم معلومات كثيرة تحت وازع الخوف.
آنذاك عُدّ العقيد حسني مبارك ورفاقه الضباط الثلاثة في عداد المفقودين. 

الملك يفاجئ العرب بالقاهرة

اغتنم الملك الراحل الحسن الثاني زيارته الرسمية لمصر لمفاجأة العرب و المصريين، وعلى رأسهم الرئيس جمال عبد الناصر. بعد الاستقبال الرسمي بحضور الرئيس المصري جمال عبد الناصر، صدرت إشارة من الملك فنزل من الطائرة الضباط المصريين الذين اعتقد المصريون أنهم من المفقودين ، ولمست أقدامهم أرض الوطن على وقع الدهشة والفرحة معا. امتلك جمال عبد الناصر انزعاج كبير حاول حجبه بالضحك والاجتهاد في الترحيب بالملك. 

حضر وأدار إعدام الجنرالات الإنقلابيين

أكد محمد بن ددوش في مذكراته أن الجنرال محمد أوفقير والجنرال إدريس بنعمر العلمي أدارا معا مشهد إعدام الجنرالات في صيف 1971 والذي كان مسرحه ميدان الرماية على الشاطئ قرب الهرهورة. ذلك اليوم كان الملك الراحل الحسن الثاني مرتديا الجلباب واقفا فوق هضبة غير بعيدة من المكان .
في الميدان تجمهر حشد من الجنود والضباط على اختلاف رتبهم العسكرية وفي مقدمتهم الجنرال أوفقير والجنرال إدريس بنعمر العلمي. واسترعى انتباه وجود شاحنات عسكرية وقد غطيت جميعها للتستر على حمولتها. وغير بعيد منها نصبت عشرة أعمدة خشبية ووقفت قبالتها فرقة الإعدام. بعد لحظات ، رفعت الأغطية عن الشاحنات وظهر ضباط سامون جالسين مكبلي الأيدي، وعلى حين غرة انطلقت ألسنتهم تحاول التحدث إلى الإعلامي بن ددوش الذي حضر لتغطية الحدث الجلل معلنة براءتهم مما نسب إليهم، وكانت وجوههم شاحبة وأعينهم شاردة في موقع كان شبح الموت يخيم عليه، الضابط الوحيد الذي ظهر وكأنه غير عابئ بما يحدث حوله هو الكولونيل الشلواطي، الذي لم يتفوه بأي كلمة وهو ينزل من الشاحنة مع بقية رفقائه، علما أنه قيل بأنه كان مرشحا للاضطلاع بمنصب رئيس مجلس الثورة بعد نجاح المحاولة الانقلابية الأولى. نزل بالتتابع من الشاحنات الجنرال حمو أمحزون، الجنرال حبيبي محمد، الكولونيل الشلواطي، الجنرال بوكرين الخياري، الجنرال مصطفى أمهارش، الكولونيل الفنيري، الكولونيل بوبري، الكولونيل بالبصير، الكولونيل عمي والكومندان المانوزي إبراهيم. وصاح الجنرال حمو قائلا: "عاش الملك، عاش الملك".
سيق الضباط العشرة إلى ساحة الإعدام وربطت أيديهم من الخلف بالأعمدة المنصوبة وهم يرتدون ملابسهم العسكرية وعليها نياشين رتبهم التي ستنزع منهم الواحد بعد الآخر.
في هذه الأثناء، كان الجنرال أفقير والجنرال إدريس بنعمر، وقتذاك كانت كل المظاهر والدلائل تشير إلى أنهما المشرفان المباشران على العملية، وقد سمعهما بن ددوش يتذاكران على انفراد، وإذا بالجو يتوتر بينهما، عندما سمع الجنرال إدريس بنعمر العلمي يقول بلغة "موليير":
"il faut qu on soi réglo avec eux " أي (يجب أن تكون تصرفاتنا معهم وفق القواعد المتعارف عليها) ، فكان أن رد الجنرال أوفقير بانفعال وبصوت عال وشرارة الغضب تتطاير من عينيه وكأن ملاحظة الجنرال إدريس لم تعجبه:
eux est ce qu ils ont été réglo avec nous ? » (هل كانت تصرفاتهم معنا كما يجب؟) .
وفجأة ابتعد الجنرال أوفقير عن الجنرال إدريس بنعمر وتوجه صوب فريق التنفيذ العسكري وصاح فيهم (بالفرنسية) "انتبهوا انتبهوا ... نار... نار " وبدأ الرصاص يخرق الأجساد وهي تتهاوى ملطخة بالدماء الواحد بعد الآخر . في هذا الجو الرهيب ارتفع صوت واحد، لا ثاني له، ردد: "عاش الملك، عاش الملك"، لكن قوة النار سرعان ما طغت على هذا الصوت، إنه صوت الجنرال حمو أمحزون، وخيم سكون تام برهة على ساحة الإعدام، قبل أن تهب مجموعة من الجنود قيل إنهم يمثلون الوحدات البرية والجوية والبحرية التابعة للقوات المسلحة الملكية حضروا كشهود عيّان على العملية، وأسرعوا نحو الضباط الذين نفذ فيهم حكم الإعدام وبصقوا على جثثهم، كعلامة احتقار ورفض ما اقترفوه. ثم تم دفن المعدومين بمعية جثثا الجنرال مدبوح والكولونيل امحمد اعبابو في قبر جماعي على أطراف ميدان الرماية، علما أن الأول كان قد قتل في قصر الصخيرات يوم عاشر يوليوز، بينما قتل الثاني في مقر القيادة العامة في اليوم نفسه.

ظلت حرب الرمال مكمن الداء وحقد يدرس للأبناء

مرّت عقود ولازالت الأحقاد الدفينة متغلغلة في النفوس ولازال جنرالات الجزائر المتحكمون في مصير البلاد يتذكرون الهزيمة ، ولازالت مقولة بنبلة الشهيرة " حكرونا " ترن في آذانهم وتم تلقينها لأجيال الضباط المتوالية. 
لقد قالها الهواري بومدين وهو الرجل الذي ذاق مرارة الهزيمة في حرب الرمال وتشبّع بأفكار ناصرية جعلته يحلم بأن يصبح عبد ناصر المغرب العربي والرئيس الذي تهتف به الشعوب بمنطقتنا ...إلا أنه لم يفلح في شيء غير تكريس العداء بشكل كبير بين الجارين، وذلك بوضع – كما قال - " وضع حجرة صغيرة في الحداء المغربي " . 
وفي هذا السياق قال قائل ... يبدو أنه لن يحل المشكل بين المغرب والجزائر إلا بموت مخططي حرب الرمال والجنرالات اللذين لازالوا يشعرون بالهزيمة رغم مرور عقود.
وتبقى حرب الرمال مكمن الخلل وأهم الأسباب لقيام صراع من بين أخطر النزاعات على وجه الكرة الأرضية ... خلف أكبر العداوات بالعالم المعاصر نتيجة للخسائر البشرية والمادية المهدرة بالصحراء من الطرفين ونتيجة لبناء فكر عدواني ليس من الصعب تغييره مادام مخططوه على قيد الحياة يستنزفون خيرات الجزائريين ويعطون الأوامر لقصر المرادية الذي لم يأوي مند استقلال الجزائر إلا الرؤساء المحجور عليهم من طرف مافيا الجنرالات.

حكايات من هنا وهناك

لقد قيل إن الجنرال إدريس بنعمر العلمي هو الذي فكّرفي مصادرة السيارة الصغيرة العادية جدا من صاحبها التي استقلها الملك الرحل الحسن الثاني بعد أن تمكنت طائرته من النزول بمطار سلا - الرباط ناجية من الهجوم ا في 16غشت 1972.
كان حميدو العنيكري في بداية مشواره العسكري ساهم في عملية إنقاذ المواطنين إبان زلزال أكادير سنة 1960، وخلال تلك العملية التقى بالجنرال إدريس بنعمر العلمي الذي نصحه بالالتحاق بالدرك فعمل بنصيحته، وبذلك سلك الدرب الذي أوصله إلى أعلى الدرجات. 
ويُحكى أيضا ، عندما ذهب اعبابو إلى فرنسا وخضع لدورة تدريبية لمدة سنة، ثم عاد بعدها إلى المغرب وهو يحمل رتبة قائد " كومندان" ، و قبل وصوله إلى المغرب كانت رسالة موجهة من أساتذة الكلية الحربية الفرنسية التي درس بها قد وصلت إلى يدي الجنرال إدريس بنعمر العلمي، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس أركان الحرب العامة بالمغرب، يشهدون فيها بكفاءة اعبابو ويتنبئون له بأنه سيكون أصغر ضابط مغربي يصل إلى رتبة جنرال، بالنظر لما أظهره من كفاءة خلال مرحلة التدريب. استلم الجنرال إدريس بنعمر العلمي الرسالة ووضعها في ركن آمن من مكتبه.
و ورد اسم الجنرال إدريس بنعمر العلمي في إحدى الأغاني الشعبية، وهي قصيدة " الحدود " لصاحبيها صالح والمكي التي حكت عن الحرب المغربية الجزائرية في سنة 1963 ، و من كلماتها بسبب حاسي البيضا وتندوف: "وحاسي البيضا وتندوف وفين بقيت نشوف"، وبخصوص تطوع المغاربة للمشاركة في هذه الحرب منذ اللحظات الأولى : "كلشي تزمم حتى واحد ما بقى يخمم على الحدود هاه "، أما فيما يتعلق باندحار المهاجمين على يد الفرقة التي كان يقودها الجنرال إدريس بنعمر العلمي: "والجنرال ادريس بارك على العفيس " (في صفوف العدو طبعا ).
وقال الإعلامي محمد بن ددوش في ذاكرته الإذاعية قبل 60 سنة في رحلته مع الميكروفون، "في أول مؤتمر صحافي انعقد في قصر السويسي (ابتداء من الساعة الثامنة والربع مساء يوم الأحد 11 يوليوز)، كشف الملك الراحل الحسن الثاني جانبا من الاتصال الذي جرى بينه وبين الجنرال المدبوح، في خضم أحداث الصخيرات، حيث قال ردا على سؤال أحد الصحافيين:
"لم تكن هناك مفاوضات، بل كل ما هناك أن الجنرال المدبوح اقترب مني وطلب مني أن أتبعه وقال لي: "إنني أعرف المدبر لهذا كله وهو الكولونيل اعبابو، فإذا أرجعته هل ستعفون عنه؟" فكان جوابي: إنني لن أتفاوض ". ولاحظ الملك، من جهة أخرى، أن تدبير المحاولة الانقلابية كان سيئا، والدليل على ذلك "احتلال الإذاعة بالرباط ونسيانهم لدار إذاعة طنجة ومركز البريد، كما احتلوا مقر قيادة القوات المسلحة الملكية ونسوا مقر إدارة الأمن الوطني، وهذه ثغرات تدل على سوء تدبير هؤلاء المتمردين" . وفي هذا المؤتمر الصحافي، أعلن الملك أيضا أنه "سيستعين في تسيير شؤون الدولة بالجنرال محمد أوفقير والجنرال إدريس بنعمر العلمي"، وأوضح "أن الأول يتولى قيادة فرقة المصفحات التي أسندت إليها مهمة تصفية جيوب المتمردين في الرباط والاتصال بباقي الأقاليم، أما إدريس بن عمر فقد أسندت إليه مهمة مساعد في تسيير القيادة العامة لأركان الجيش الملكي، ولي الثقة الكاملة في هذين الجنرالين" .



الجندي الذي رفس ظهر الجنرال ورقص عليه

دأب أحد الجنود على الفصح لزملائه بمدرسة أهرمومو عن حلمه في أن يرقص يوما ما فوق ظهر جنرال، وهذا ما تحقق يوم الهجوم على قصر الصخيرات في غشت 1971. فخلال مداهمة القصر وبعد أن تم اعتقال ضيوف الملك كرهائن حيث ظلوا واقفين رافعين أياديهم معرضين لإهانات واستفزازات طلبة مدرية أهرمومو . قام أحدهم بأمر انبطاح الجنرال إدريس بنعمر العلمي الذي كان الماجور العام السابق للقوات المسلحة الملكية ووزير البريد، على بطنه أرضا وأخذ "يمشي متعمدا على ظهره"، وهو يتحدث ساخرا إلى زملائه ويرقص وكرر حركاته بزهو أكثر من مرّة . 

لم يتمكن الجنرال من نسيان هذا التصرف الهمجي، بعد فشل المحاولة الانقلابية حل إدريس بنعمر العلمي بالثكنة التي وُضع بها تلاميذ أهرمومو للبحث بنفسه عن ذالك الجندي الذي أهانه ، والذي امتلكه الرعب حالما علم بقدوم الجنرال لذا غامر بالاختباء بالمرحاض. عاين الجنرال بدقة ولم يعثر على المبحوث الذي كان "سيلقى عزاه" كما يقال عندنا. 


عودة إلى التاريخ

إن حرب الرمال هو صراع مسلح نشب بين المغرب و الجزائر في أكتوبر من 1963. بعد عام تقريبا من استقلال الجزائر، اندلعت الحرب في ضواحي منطقة تندوف و "حاسي بيضا" ، ثم انتشرت إلى ضواحي فكيك . توقفت المعارك في 5 نوفمبر، إذ قامت منظمة الوحدة الإفريقية بإرساء اتفاقيةوقف إطلاق النار في 20 فبراير 1964. 
فقبل دخول الاستعمار منطقة شمال إفريقيا كانت الجزائر تمتد شرقا حتى مدينة وهران حاليا وكانت وهران على خط الحدود بين الدولة المغربية والجزائر الخاضعة آنداك للحكم العثماني وكانت جنوبا تمتد الحدود حتى "عين صالح" التي تقع اليوم في وسط الجزائر مباشرة والدليل أنه في خطب الجمعة والأعياد الدينية كان الدعاء للملوك العلويين و أن قبائل المنطقة كانت ترسل وفودا كل سنة لمبايعة السلطان بفاس.
مع دخول الاستعمار الجزائر، هرب الأمير عبد القادر بمعية بعض المقاومين إلى الحدود الشرقية مع للمغرب، وكان العلويون آنداك قد زودوا جيشه بالعتاد والرجال لأن احتلال الجزائر شكل تهديد مباشرا وصريحا للمملكة. بعد معارك بطولية كثيرة، انهزم الأمير عبد القادر ووجد المغرب نفسه في مواجهة فرنسا، القوة العظمى وقتذاك، وتعارك الجيشان كثيرا ولكن تبقى اهمها معركة ايسلي حيث انهزمت الجيوش المغربية وتلا ذلك توقيع اتفاقية "للامغنية" للاتفاق حول الحدود، فتم اغتصاب أراضي مغربية على عمق 125 كلم واعتبارها أرض خالية لا نزاع عليها . لكن مع اكتشاف البترول والغاز والحديد قامت فرنسا بالزحف شيئا فشيئا، وأخذت تقتص من الأراضي المغربية حتى بلغت إلى منطقة "كولومب بشار"، فاحتج المغرب على وجود قوات فرنسية في تلك المناطق التي هي خاضعة له حينها. ولوّحت فرنسا الاستعمارية وقتذاك بمعاهدة "للامغنية" للإقرار على أنها حجة دامغة حيث لا تثبت للمغرب تلك الأراضي، وطلب السلطان من زعماء القبائل بان يجددوا له البيعة فجددوها، وقتلت الجيوش الفرنسية الآلاف من المواطنين المغاربة الدين قاموا بتجديد البيعة امتثالا لنداء السلطان. كما أنه بعد الاستقلال ساهمت فربسا في إنشاء دولة داخل الأراضي المغربية في الجنوب وهي موريتانيا والتي كانت جزء لا يتجزأ من المغرب. 
خرج الاستعمار من المغرب أولا ولكن بصفة جزئية فقط وبقيت اسبانيا تحتل الصحراء المغربية وضمت فرنسا الصحراء الشرقية للجزائر لكي تستفيد من البترول والغاز والموارد الطبيعية وبقيت تستنزف خيرات الصحراء الجنوبية حتى كونت فيها دولة جديدة تحت اسم موريتانيا فلم يكن للمغرب ما يفعل آنداك ما عدا تدعيم المقاومة في تلك المناطق وبعد استقلال الجزائر خرجت فرنسا من المنطقة بأكملها فسارعت الجزائر لضم الصحراء الشرقية، احتج المغرب بالطرق الحضارية فلم يبالي قادة الجزائر. 


الميلاد والوفاة

وُلد الجنرال إدريس بنعمر العلمي يوم 26 سبتمبر سنة 1917 في مدينة زرهون، و توفي يوم الجمعة 18 أبريل سنة 2002 بمدينة الدار البيضاء. 
وافته المنية و سنه يناهز 85 عاما، وذلك بعد معاناة مع المرض دامت سنتين، ووري جثمانه الثرى في مقبرة الشهداء بالرباط بحضور الأمير مولاي رشيد والعديد من الضباط السامين، وقد أشاد إمام مسجد الشهداء في خطبته بمناقب الفقيد ووفائه للعرش العلوي.
إثر وفاة الجنرال استقبل جلالة الملك محمد السادس في الديوان الملكي بالرباط نجل الفقيد، المهدي بنعمر العلمي، الذي جاء لتقديم التعازي للعاهل في وفاة والده . وحضر هذا الاستقبال محمد رشدي الشرايبي مدير الديوان الملكي ، وعبد الكريم بناني مدير الكتابة الخاصة لجلالته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع المقالات والردود تعبر عن رأى كاتبها طبعا , و لا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع وجمهور القراء